
بعد ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، لا تزال غزة تعيش آثار حرب خلفت دماراً واسعاً ومعاناة إنسانية عميقة، فيما بقي السؤال الأكبر بلا إجابة: لماذا عجز المجتمع الدولي، بكل مؤسساته وقوته السياسية، عن وضع حد نهائي للمأساة الفلسطينية؟
غزة.. ثلاث سنوات من الخسائر والدمار
تكشف الأرقام حجم الكارثة الإنسانية. فوفق أحدث إحصائية لوزارة الصحة في غزة بتاريخ 7 أكتوبر 2026، بلغ عدد الشهداء 74,250 شهيداً، والجرحى 175,278 جريحاً، بينما لا يزال عدد من الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات، وسط صعوبة وصول فرق الإنقاذ إليهم.
أما على مستوى الدمار، فتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 82% من مباني قطاع غزة تعرضت للضرر، بينها أكثر من 134 ألف مبنى دُمّر بالكامل، فيما تضررت نحو 329 ألف وحدة سكنية. وقدّرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. (UN OCHA – OPT)
هذه ليست مجرد أرقام، بل صورة لمجتمع فقد آلاف الأرواح، ومئات الآلاف من المنازل، وأجزاء واسعة من بنيته الصحية والتعليمية والاقتصادية.
ثلاث سنوات.. والسؤال عن المجتمع الدولي
خلال هذه السنوات، صدرت قرارات دولية ومبادرات متعددة، وتكررت الدعوات إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات، لكن الفجوة ظلت كبيرة بين القرارات وما يجري على الأرض.
وهنا يبرز السؤال: ما قيمة القرار الدولي إذا لم توجد آليات قادرة على ضمان تنفيذه؟
فالقانون الدولي لا يكتسب قوته من النصوص وحدها، وإنما من قدرة المؤسسات والدول على تحويلها إلى واقع.
خطة السلام.. لماذا تعثرت؟
كان قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025 قد أقر خطة لإنهاء الحرب في غزة، تضمنت وقف إطلاق النار، وترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، ونزع سلاح الفصائل، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وإعادة الإعمار، وصولاً إلى مسار سياسي يفضي إلى تقرير المصير والدولة الفلسطينية.
لكن تنفيذ الخطة لا يزال متعثراً، خصوصاً في ما يتعلق بنزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والترتيبات الأمنية والإدارية وإعادة الإعمار.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل المشكلة في الخطة، أم في غياب الإرادة السياسية القادرة على فرض تنفيذها؟
وماذا عن الدول العربية والإسلامية؟
تبدو المسألة أكثر إلحاحاً عند النظر إلى مواقف دول مثل السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان.
فهذه الدول أعلنت رفض التهجير والضم والاستيطان، وأكدت دعم قيام الدولة الفلسطينية وحل الدولتين، كما شاركت بعضها في جهود الوساطة والضغط من أجل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تتحول هذه المواقف مجتمعة إلى قوة ضغط أكبر قادرة على تسريع تنفيذ خطة السلام وحماية الفلسطينيين؟
فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب المواقف، وإنما في محدودية القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية ملموسة.
مصر والسعودية.. ثقل إقليمي كبير
تمتلك مصر موقعاً استراتيجياً ودوراً مباشراً في ملف غزة، وكانت طرفاً أساسياً في جهود الوساطة.
أما السعودية فتملك ثقلاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً كبيراً، يجعلها طرفاً مهماً في أي تحرك عربي أو دولي يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية.
ويبقى السؤال: هل يمكن لهاتين الدولتين، بالتنسيق مع بقية الدول العربية والإسلامية، أن تدفعا نحو موقف جماعي أكثر تأثيراً؟
أما الأردن وقطر وتركيا وباكستان، فلكل منها أدواته السياسية والدبلوماسية، لكن توحيد هذه الأدوات ضمن تحرك جماعي قد يكون أكثر تأثيراً من المواقف المنفردة.
غزة ليست كل فلسطين
وفي الوقت الذي تستحوذ فيه غزة على الاهتمام العالمي، تستمر التطورات في الضفة الغربية والقدس، بما في ذلك الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير والقيود المفروضة على الفلسطينيين.
لذلك فإن إنهاء الحرب في غزة، رغم ضرورته، لن يكون كافياً وحده. فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى حل سياسي شامل يعالج مستقبل غزة والضفة والقدس، ويضمن للفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم.
السؤال الذي يبقى
بعد ثلاث سنوات، يبدو أن المعضلة الحقيقية ليست نقص المبادرات أو البيانات، وإنما الفجوة بين القرارات والتنفيذ.
فما قيمة قرار دولي لا يجد طريقه إلى الأرض؟ وما جدوى الحديث عن السلام إذا ظل المدنيون يقتلون ويهجرون ويدفعون ثمن التأخير السياسي؟
إن الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى ينبغي ألا تكون مناسبة لاستعادة مشاهد الحرب فقط، بل فرصة لطرح سؤال أكثر عمقاً:
هل يستطيع المجتمع الدولي أن يجعل القانون الدولي قاعدة واحدة للجميع، وهل تستطيع الدول العربية والإسلامية تحويل ثقلها السياسي والدبلوماسي إلى قوة دفع حقيقية نحو سلام عادل ودائم؟
فغزة لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى سلام قابل للحياة، وإعادة إعمار، وحماية للمدنيين، ومسار سياسي واضح ينهي دوامة الحرب ويفتح الطريق أمام حل عادل للقضية الفلسطينية.
بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في قضايا المرأة والشأن العام
