
قراءة تحليلية في رسائل الرئيس الغزواني ومكاسب جولته الرئاسية للولايتين
بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في قضايا المرأة والشأن العام
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولايتي آدرار وإنشيري مجرد جولة ميدانية للاطلاع على أوضاع السكان، بل حملت رسائل متعددة حول التنمية المحلية، واستثمار الموارد، وتحسين الخدمات، وحماية التراث، وخلق فرص العمل.
وتكتسب الجولة أهميتها من خصوصية الولايتين؛ فآدرار تجمع بين الزراعة الواحاتية والتراث والتاريخ والسياحة، بينما تمثل إنشيري إحدى أهم مناطق التعدين في البلاد. وبين هذه الخصوصيات تبرز قضية مشتركة: كيف يمكن تحويل الإمكانات والثروات إلى تنمية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟
آدرار.. ثروة متعددة تحتاج إلى استثمار
برزت خلال الزيارة قضايا الطرق والمياه والواحات والتراث والسياحة باعتبارها ركائز أساسية لتنمية آدرار.
ويأتي طريق وادان في مقدمة المشاريع التي حظيت باهتمام، مع الإعلان عن إدراجه ضمن ميزانية 2027. ولا يمثل الطريق مجرد وسيلة للنقل، بل يمكن أن يكون رافعة اقتصادية من خلال فك العزلة، وتقليص كلفة النقل، وتسهيل حركة السكان والبضائع، وتشجيع السياحة والاستثمار.
أما المياه، فتظل شرطاً أساسياً لاستقرار السكان واستمرار النشاط الزراعي والحياة الواحاتية. ولذلك فإن معالجة مشكلة المياه في مدن آدرار يمكن أن تكون لها انعكاسات تتجاوز توفير مياه الشرب إلى دعم الزراعة والسياحة وتحسين الظروف الصحية والمعيشية.
الواحات.. من نشاط تقليدي إلى قطاع اقتصادي
تمثل الواحات إحدى أهم ثروات آدرار، ولذلك فإن تطوير إنتاج التمور وتحسين الري والتخزين والتوضيب والتسويق يمكن أن يحول هذا النشاط إلى قطاع اقتصادي أكثر إنتاجية.
وقد برز في خطاب الرئيس توجه نحو تطوير شعبة الواحات وإعادة تنظيم قطاع التمور، إلى جانب تحسين الطرق المؤدية إلى مناطق الإنتاج.
وإذا ترافقت هذه الإجراءات مع دعم المزارعين وربط الإنتاج بالأسواق، فإنها يمكن أن تساهم في زيادة دخل الأسر، وخلق فرص العمل، ودعم الأمن الغذائي.
التراث.. ذاكرة وطنية وفرصة اقتصادية
تملك آدرار ثروة ثقافية وحضارية استثنائية، خاصة في شنقيط ووادان، بما تختزنه من مدن تاريخية ومخطوطات ومكتبات وتقاليد علمية.
وقد أكد الرئيس أهمية المحافظة على هذا التراث، وهو ما يحمل بعداً ثقافياً وحضارياً، لكنه يحمل أيضاً بعداً اقتصادياً.
فحماية المدن التاريخية والمخطوطات يمكن أن تشكل أساساً لتطوير السياحة الثقافية والبحث العلمي والصناعات التقليدية والخدمات المرتبطة بالسياحة.
لكن التحدي هو الانتقال من مجرد حماية التراث إلى تثمينه، بحيث يصبح مصدراً للمعرفة والدخل وفرص العمل، مع الحفاظ على أصالته.
إنشيري.. التعدين وسؤال الاستفادة المحلية
في إنشيري، احتل التعدين موقعاً مركزياً في خطاب الرئيس، باعتباره أحد أهم مصادر النشاط الاقتصادي في الولاية.
ويكتسب استمرار النشاط المنجمي في أكجوجت أهمية خاصة بالنسبة للسكان، لما يوفره من وظائف وحركة اقتصادية وخدمات مرتبطة بالقطاع.
لكن السؤال الأوسع يبقى: كيف يمكن توسيع دائرة المستفيدين من الثروة المعدنية؟
فالتنمية التعدينية لا ينبغي أن تقتصر على استخراج المعادن، وإنما يمكن أن تشمل المؤسسات الصغيرة، والخدمات، والتكوين المهني، والصناعات المرتبطة بالقطاع، بما يزيد من فرص العمل ويعزز الاقتصاد المحلي.
كما أن الحديث عن تطوير التعدين الأهلي وإنشاء مركز للتكوين في هذا المجال يفتح مجالاً مهماً أمام الشباب، إذا ارتبط التكوين باحتياجات السوق، والسلامة المهنية، والتقنيات الحديثة.
أكجوجت.. الماء في مواجهة مفارقة الثروة
تطرح أكجوجت مثالاً واضحاً على التحدي التنموي: مدينة ذات أهمية معدنية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه بحاجة إلى حل مستدام لمشكلة المياه.
وقد أعلن الرئيس توجيه الحكومة لدراسة مشروع لتزويد المدينة بالمياه.
ويمثل تنفيذ هذا المشروع، إذا تحقق، مكسباً اجتماعياً واقتصادياً مهماً، لأن الماء لا يرتبط بالصحة والحياة فقط، بل يشكل شرطاً للاستقرار السكاني والنشاط الاقتصادي والاستثمار.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن أن تتحول الثروة الموجودة في باطن الأرض إلى تحسين ملموس في حياة السكان فوق الأرض؟
الكهرباء والبنية التحتية.. شرط الاستثمار
تمثل الطاقة والبنية التحتية عاملاً أساسياً في مستقبل الولايتين، خصوصاً بالنسبة للمدن المنجمية والمناطق التي تسعى إلى استقطاب الاستثمارات.
فالكهرباء المستقرة وشبكات النقل الحديثة تساعد على تطوير التعدين والزراعة والخدمات والمشاريع الصغيرة، كما تساهم في تحسين حياة السكان.
ومن ثم فإن الاستثمار في البنية التحتية لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنفاقاً خدمياً فقط، بل باعتباره استثماراً في الإنتاج وفرص العمل.
البيئة.. الوجه الآخر للتنمية
في بنشاب، برز البعد البيئي في خطاب الرئيس، مع التأكيد على أهمية التوفيق بين النشاط الاقتصادي وحماية البيئة.
وتزداد أهمية هذا الأمر في المناطق التعدينية، حيث ينبغي أن ترافق استغلال الموارد إجراءات لحماية البيئة والموارد الطبيعية وصحة السكان.
فالتنمية المستدامة لا تعني استغلال الموارد فقط، وإنما الحفاظ عليها وعلى البيئة للأجيال المقبلة.
الإنسان هو محور التنمية
رغم تعدد المشاريع والقطاعات التي تناولتها الجولة، يبقى المواطن هو المستفيد المفترض من كل هذه السياسات.
فالماء والطريق والكهرباء والتعليم والصحة والتكوين وفرص العمل ليست مشاريع منفصلة، وإنما عناصر مترابطة في تحسين مستوى المعيشة.
كما أن مراعاة خصوصية كل منطقة تظل ضرورية؛ فما تحتاجه الواحات يختلف عن احتياجات المدن المنجمية، وما تحتاجه المدن التاريخية يختلف عن احتياجات المناطق الزراعية.
من التعهدات إلى النتائج
تحمل الجولة الرئاسية عدداً من المشاريع والتوجهات التي يمكن أن تحدث أثراً مهماً في الولايتين، لكن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين المشروع المعلن والمشروع المنجز.
فالطريق يصبح مكسباً بعد إنجازه، ومشروع المياه يصبح حلاً عندما يصل الماء إلى السكان، ومركز التكوين يحقق غايته عندما يوفر مهارات وفرصاً حقيقية، وحماية التراث تكتمل عندما تصبح المدن التاريخية والمخطوطات أكثر أمناً وحضوراً.
ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي بعد انتهاء الزيارة:
هل ستتحول التعهدات إلى مشاريع ذات آجال واضحة؟ وهل ستصل ثمارها إلى السكان؟ وهل ستنجح الولايتان في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة؟ وكيف يمكن ضمان استفادة الشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة من هذه الديناميكية التنموية؟
الخلاصة
تكشف الجولة الرئاسية عن إمكانات كبيرة في الولايتين.
فآدرار تمتلك التراث والزراعة الواحاتية والسياحة والمعرفة، بينما تمتلك إنشيري الثروة المعدنية والاستثمار والطاقة.
لكن الثروة وحدها لا تصنع التنمية.
فالطريق ينبغي أن يقود إلى اقتصاد أكثر نشاطاً، والماء إلى استقرار، والواحات إلى إنتاج ودخل، والتعدين إلى وظائف وتكوين، والتراث إلى إشعاع ثقافي وسياحي، والكهرباء إلى استثمارات جديدة، وحماية البيئة إلى تنمية مستدامة.
وفي النهاية، لن تقاس نتائج الجولة بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بما سيتحقق على أرض الواقع.
فحين يتحول الطريق إلى حركة اقتصادية، والماء إلى استقرار، والمنجم إلى فرص عمل، والتراث إلى معرفة وسياحة، عندها فقط تلتقي الثروة فعلاً بالتنمية.
