ما الذي يبقى من الدولة عندما يُمزَّق الدستور ويُلغى القانون؟ بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

اثنين, 05/10/2026 - 12:26

تقوم الدول على دستور يحدد من يحكم، وكيف يحكم، وحدود ما يملكه، وعلى قانون يجعل العلاقة بين الأفراد وبين السلطة علاقة حقوق وواجبات، لا علاقة قوة وقهر. فإذا سقط هذان الأساسان لم يبق من الدولة إلا مؤسساتها الشكلية. وقد كان لموريتانيا نصيب من الدستور والقانون، ثم رأينا ما جرى لهما.
فمنذ الانقلاب الناعم الذي قام به القصر الرمادي يوم 6 أغسطس 2020 على نظام الأغلبية الحاكم، لم يسلم من الدستور والقانون إلا ما لم يقف في طريق أحد. وهذه نماذج من ذلك:
المادة 64: اللجان البرلمانية. قبل الانقلاب الناعم بأشهر، وتمهيداً له، أُنشئت لجنة تقصي حقائق برلمانية استناداً إلى المادة 123 من النظام الداخلي للبرلمان. والمادة 64 من الدستور؛ وهي المنظمة للجان البرلمانية، ولا تنص على إنشاء لجان تحقيق برلمانية أصلاً. وكل ما نصت عليه أن مشاريع واقتراحات القوانين تُقدَّم بطلب من الحكومة والجمعية الوطنية إلى لجان تُعيَّن خِصّيصى لهذا الغرض، وأن ما لم يُقدَّم بشأنه هذا الطلب يُحال إلى إحدى اللجان الدائمة الخمس في الجمعية الوطنية. ولا يمكن أن تسمو مادة من النظام الداخلي على نص الدستور.
المادة 93: المسؤولية والاختصاص. ففي 6 أغسطس 2020 أُقيل الوزير الأول إسماعيل ولد الشيخ سيديا ووزراء حكومته بحجة أن النيابة في نواكشوط الغربية فتحت بحثا حول "تحقيق وردت فيه أسماء بعضهم؛ مع أن الفقرة الأخيرة من المادة 93 تجعل البرلمان وحده صاحب حق اتهامهم، ولم يتهمهم البرلمان قط. ثم جرت متابعة رئيس جمهورية سابق وسجنه ومحاكمته وإدانته أمام القضاء العادي، مع أن الفقرات الثلاث الأُوَل من المادة نفسها تنفي مسؤوليته إلا في الخيانة العظمى، وتحصر اتهامه حينئذ في البرلمان، وتجعل محكمة العدل السامية قاضيه الطبيعي.
المادة 87: حجية قرارات المجلس الدستوري. رفضت محاكم القضاء العادي، أثناء محاكمتها للرئيس السابق، تنفيذ قراري المجلس الدستوري رقم 007/2023 بتاريخ 06/3/2023 ورقم 09/2024 بتاريخ 5 دجمبر 2024، مع أن المادة تنص على أن "قرارات المجلس الدستوري تتمتع بسلطة الشيء المقضي به، ولا تقبل أي طعن، وهي ملزمة للسلطات العمومية وجميع السلطات الإدارية والقضائية".
المادة 10: الحريات. حلّ محل هذه المادة، الضامنة للحريات العمومية والفردية، قانون الرموز سيئ الصيت. فأصبح اعتقال الخصوم السياسيين يتم خارج القانون، وشاع الخطف والاحتجاز والحبس التحكمي والمنع من جميع الحقوق، وفي مقدمتها حق الاتصال بالأهل وبالمحامي المنصوص عليه في المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 32 من قانون المحاماة. وكان من ضحايا ذلك الرئيس السابق، وقادة حزبي العهد الديمقراطي والعدالة، وقادة إيرا، والنائبتان قامو عاشور ومريم جنگ، والجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف، وأقارب المدونين، وبعض المدونين.. والقائمة طويلة.
المادة 50: حصانة النواب. ومن دلائل خرقها خطف النائبتين قامو عاشور ومريم جنگ، واتهامهما، وإدانتهما.
المواد 89 و90 و91: استقلال السلطة القضائية. لم تكن هذه المواد أحسن حظاً من سابقاتها. وقد تبين من خلال مجمل محاكمات خصوم النظام السياسيين والإدانات الثقيلة التي أُدينوا بها أن السلطة القضائية مسيَّرة غير مخيَّرة.
شخصية العقوبة. وها نحن نشهد في حرب النظام على المدونين فصلاً جديداً من العسف، تمثل في أخذ القريب بجريرة قريبه. وهذا يخالف أصلاً أجمعت عليه شرائع وقوانين السماء والأرض: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص (المادة 4 من القانون الجنائي).
المواد المحصنة 26 و28 و29: خرق يتنافس السياسيون في تدبيره والدعوة إليه. وأخطر ما في هذه السلسلة أن هذا الخرق ليس خرقاً يقع ثم يُبرَّر؛ بل هو خرق يُتنافس في تدبيره والدعوة إليه على رؤوس الأشهاد قبل وقوعه. إذ تدعو السلطات الحزبية والتنفيذية والبرلمانية ليل نهارا - دون حياء- إلى انتهاك المواد المحصنة 26 و28 و29 حتى يتاح لولي نعمتهم (الرئيس الحالي) الترشح لمأمورية ثالثة. دون أن يدركوا معنى التحصين وهو أن واضع الدستور جعل هذه الأحكام أعلى من الأغلبيات وأبعد من نزوات اللحظة؛ فلا يملك برلمان ولا حكومة ولا حزب أن يمسها. والدعوة إلى المساس بها دعوة إلى هدم الأساس الذي يستمد منه هؤلاء جميعاً صفتهم.
قد يقول المدافعون عن هذا الفساد السياسي إنه إنفاذ للقانون، وحماية للنظام العام، وتقتضيه المصلحة العليا.. لكن إنفاذ القانون لا يكون بمخالفة الدستور، والمصلحة العليا هي بالذات ما يحميه هذا التحصين.
فما الذي يبقى من الدولة والحالة هذه؟ تبقى الأعلام، والمباني، والألقاب، والجلسات، والبيانات، ويذهب المعنى. فالدولة التي تحكم بالقانون يعرف مواطنها ما يُباح له، وما يُحظر عليه، ومن يحاسبه، والدولة التي تحكم بلا قانون يعرف مواطنها فقط من يحكمه. وبين الدولتين فرق ما بين الأمن والخوف، وما بين المواطن والرعية.