عن الهجرة والمهاجرين وعن فرنسا والإتحاد

اثنين, 04/03/2024 - 10:22

تشير بعض الإحصائيات أن عدد المهاجرين غير الشرعيين  القادمين من غرب ووسط  إفريقيا لأوروبا خلال الفترة ما بين 2017 و 2023 زاد على مائتي ألف شخص قدموا من عشرة دول سبع منها مستعمرات فرنسية سابقة وتشير نفس الاحصائيات أن سبعين بالمائة من هؤلاء قدموا من أربع دول فقط هي على التوالي ساحل العاج وغينيا ونيجيريا ومالي.
هاجر من ساحل العاج 39386 شخصا أي نسبة 1.4 من كل ألف من مواطنيه وهاجر من غينيا 38657 مواطنا أي ما يمثل 2.7 من كل ألف غيني وهاجر من نيجيريا 24771 شخصا يمثلون نسبة 0.1 شخص من كل ألف مواطن نيجيري وهاجر من مالي 23465 مواطنا أي ما يمثل 1.06 إنسان من كل ألف من سكانه.
إجمالا يكون عدد المهاجرين من المستعمرات الفرنسية الثلاثة وحدها  101508 مواطنا  بنسبة 16 مواطنا من كل عشرة آلاف إنسان مقابل مواطن واحد من كل عشرة آلاف من سكان نيجيريا المستعمرة الانكليزية السابقة...فلماذا تكون نسبة الهجرة من المستعمرات الفرنسية ستة عشر ضعفا نسبة الهجرة من المستعمرات الانكليزية ؟ وما الذي مكن ابريطانيا أن لا تكون وجهة للمهاجرين الناطقين بلغتها وعجزت عنه فرنسا ؟ أم أن مواطني المستعمرات الانكليزية السابقة أقل حاجة لهجر الأهل والأوطان من غيرهم ؟ النموذج البريطاني نموذج تشاركي يمتص نسبة كبيرة من  الخيرات ولكنه يتركها حية فتبقى وعلاقة ابريطانيا بمستعمراتها دافعها الأساس توسع في الإقتصاد وتسويق المنتجات وجمع الثراوت فأبقت على هويات البلدان وخصوصياتها فلم تخلق جنيها إفريقيا كما فعلت فرنسا وأنتجت منظومة اقتصادية قائمة بمصادرها البشرية واللوجستية وحين غادرت المستعمرات تركت فيها بعضا مما يمكنها أن تقف على قدميها ومن أراد الثورة على التاج البريطاني يقاطع المنتجات.....
أما النموذج الفرنسي فأساسه تذويب هويات البلدان المستعمرة فلا يعود لها وجود وفي نفس الوقت لا يكون مواطنوها إلا من درجات دنيا فالأرض ومن فيها  لفرنسا والمواطنون فرنسيون لكن لا يحق لهم إلا القليل مما يحق لساكنة سداسي الزوايا ومن يتمرد على استعمارها يحمل السلاح فلا طريقا وسطا للعلاقة معها .
وحين اضطرتها الأيام للخروج حرصت على مواصلة ضمان سيطرتها الاقتصادية والمالية والنقدية فأبقت  فرنكات خاصة بمناطقها الإفريقية الثلاثة  تطبعها في "شاماليير"  فتتحكم في كتلتها النقدية وما يترتب عن ذلك من سياسات اقتصادية ومالية ثم أودعت  عائدات صادرات هذه البلدان في حساب خاص لدى بنك فرنسا.
لم تتنازل فرنسا يوما عن ثروات مستعمراتها حديثة الاستقلال إلا ما كانت مكرهة عليه واستمرت بوضع اليد عليها إنتاجا وتصديرا وتحديد أسعار فحرمت البلدان من أسباب التنمية وحرمت مواطنيهم من أسباب الإستقرار ثم أوقدت نيران الفتنة هنا وهناك فخلقت بيئة طاردة فهاجر من تقطعت بهم الأسباب يتقصدون أثر ثرواتهم المنهوبة علهم يجدون منها نزرا ولو  يسيرا يسدون به الرمق ويعيلون به على من تركوا من ذويهم  فالمرء لا يهاجر عن أرضه وأهله إلا مكرها وغالبا ما يكون وضعه الإجتماعي منشأ ذاك الإكراه والوضع الاجتماعي السيئ لا يكون إلا حيث يكون النهب وسوء الحكامة وقلة التدبير .....فلماذا تكثر الهجرة من المستعمرات الفرنسية أكثر من غيرها ؟ ولماذا تفشل نماذج التنمية في غالبية هذه المستعمرات ولا تفشل في غيرها ؟
تنتج ساحل العاج الكاكاو بكميات ضخمة ولكن المَزارع بيد الفرنسيين يحددون سعر التصدير ويعودون إلى البلد بالقهوة المصنعة بسعر يفوق بعشرات الأضعاف سعر المادة الخام وتنتج مالي القطن بكميات ضخمة ولكن الفرنسيين من يحددون سعر التصدير فلا يعود ريع يذكر للمنتجين الماليين وكذلك يفعلون بثروات السنغال البحرية والمجتمع السنغالي مجتمع صياد فلو تركت له ثرواته ووجد من يعينه على تطوير صيده التقليدي ما هاجر له ولد وليست هذه سوى نماذج قليلة للأدوار التي تقوم بها فرنسا في مواصلة نهب ثروات القارة.....
يقصد المهاجرون الأفارقة غير الشرعيين إيطاليا بنسبة %84 كوجهة أولى  وإسبانيا بنسبة  %9 ولكنهم في غالبيتهم يقصدون فرنسا وجهة نهائية لأن غالبيتهم فرانكوفونيين يسهل عليهم  الاندماج هناك أكثر من أي مكان آخر.
فما الذي يعني بلادنا من أمر مهاجرين يقصدون إيطاليا بهذه النسبة الكبيرة لا حدود بحرية لنا معها وقصية عنا وبيننا وبينها بلدان وبحار ولا يمكن  مطلقا  أن نكون  بلد عبور نحوها ؟
غالبية المهاجرين ينحدرون من فضاء فرانكوفوني ووجودهم في بلادنا مرورا أو استقرارا ولو مؤقتا سيمكنهم من الاندماج بسهولة في مجتمعنا الذي ماتزال اللغة الفرنسية حاضرة فيه بقوة فلسنا كغيرنا من البلدان الأخرى مما يقتضي أن ننتبه لما قد ينتج من مخاطر علينا أكثر من غيرنا حتى في عبور هؤلاء ....
ثقتي كبيرة وأملي كبير أن هذا الدخان دخان خاطئ وأن السابع من مارس القادم سيكون يوما فاصلا في محادثاتنا مع الجانب الأوروبي وأنهم لن يعودوا إلينا بعده في هذا الموضوع وأرجو أكثر من ذلك أن يكون فشل المفاوضات بداية لرحلة طويلة نراجع فيها الكثير من الاتفاقيات التي أبرمتها بلادنا معهم منذ عقود وتبين لاحقا  أن بها ضررا كبيرا لبلدنا وللكتلة الحيوية لأهم العينات السمكية في منظومة بيئتنا البحرية وقد يكون هذا الوقت مواتيا للنقاش الندي معهم في ضوء المعلومات عن دخول بلادنا نادي منتجي الغاز الطبيعي.
الدكتورمحمدولدالراظي