من يعوّض المواطن عن أضراره؟/ بقلم:تماد إسلم أيديه

اثنين, 24/08/2026 - 22:33

لم يكن انقطاع الكهرباء عن أجزاء واسعة من نواكشوط مجرد عطل فني عابر، بل تحوّل خلال الساعات والأيام الماضية إلى أزمة مست تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، بعدما تزامن انقطاع التيار مع اضطراب واسع في خدمات الاتصال والإنترنت والمياه، وخلّف خسائر مادية ومعنوية لدى الأسر وأصحاب الأنشطة التجارية والخدمية.
وبعد احتراق محطتين للتحويل الكهربائي في توجنين وتفرغ زينة خلال يومين متتاليين، وجدت أحياء واسعة من العاصمة نفسها أمام انقطاع استمر لفترات طويلة، بعضها تجاوز 48 ساعة، فيما اضطرت الفرق الفنية الموريتانية، بدعم من فرق ومعدات وصلت من المغرب والسنغال، إلى العمل المتواصل لإعادة تشغيل المحطات المتضررة.
وقد تمكنت الفرق الفنية من إعادة تشغيل المحطة الشرقية في توجنين تدريجياً، بينما تواصلت الأشغال في المحطة الواقعة بتفرغ زينة، وسط مساعٍ لإعادة التيار إلى بقية المناطق المتضررة.
أزمة تجاوزت الكهرباء
لم تتوقف الأضرار عند غياب الإنارة وتشغيل الأجهزة المنزلية، إذ أدى ارتباط قطاعات حيوية بالطاقة الكهربائية إلى انعكاسات مباشرة على خدمات أخرى، في مقدمتها المياه والاتصالات والإنترنت.
واضطر مواطنون في بعض المناطق إلى البحث عن المياه خارج أحيائهم أو الانتقال إلى مناطق أخرى تتوفر فيها الخدمة، بينما واجه آخرون صعوبة في التواصل مع أسرهم وأقاربهم وممارسة أعمالهم التي تعتمد على الإنترنت.
كما تضررت مصالح أصحاب المحال التجارية، خصوصاً تلك التي تعتمد على التبريد وحفظ المواد الغذائية، حيث أدى طول فترة الانقطاع إلى تلف كميات من السلع والمواد القابلة للتلف، وهو ما يعني خسائر مباشرة يتحملها أصحابها في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
ولم تقتصر المعاناة على التجار؛ فقد وجد أصحاب الأعمال الصغيرة والحرفيون والموظفون والطلاب وكل من يعتمد على الكهرباء والإنترنت في عمله أو دراسته أنفسهم أمام توقف قسري لمصالحهم.
وفي مشهد يعكس حجم الأزمة، لجأ بعض المواطنين إلى وسائل النقل العمومي لشحن هواتفهم، بحثاً عن وسيلة للبقاء على اتصال بالعالم الخارجي، بعد أن تأثرت شبكات الاتصال نفسها بانقطاع الكهرباء عن محطات البث.
أسئلة مشروعة
أمام هذه التداعيات، لم يعد السؤال المطروح لدى المواطن مقتصراً على: متى تعود الكهرباء؟ بل أصبح أكثر إلحاحاً: لماذا حدث ما حدث؟ وهل كان بالإمكان تفاديه؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
فالحرائق التي أصابت محطتين كهربائيتين في فترة زمنية متقاربة، وما نتج عنها من اضطراب واسع في الخدمات، تستدعي أكثر من مجرد إصلاح الأعطاب وإعادة التيار.
وفي ظل ما أثير من شبهات حول جودة بعض المعدات والتجهيزات المستخدمة في المحطتين ومدى مطابقتها للمواصفات الفنية والإجراءات المعتمدة في الصفقات، تبرز الحاجة إلى تحقيق جدي وشفاف يحسم هذه المزاعم، بدلاً من تركها في دائرة الاتهامات المتبادلة.
وقد تحدثت منظمة الشفافية الشاملة عن معطيات أولية تربط الحرائق باستخدام كابلات كهربائية ضخمة، مشيرة إلى احتمال عدم مطابقتها للمواصفات أو وجود غش فيها.
ومهما كانت خطورة هذه الاتهامات، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام مسبقة أو إدانات إعلامية قبل انتهاء التحقيقات، لكنها في المقابل تجعل فتح تحقيق سريع وشفاف أمراً ضرورياً لكشف الحقيقة أمام الرأي العام.
التحقيق ضرورة لا خيار
إن إعادة الكهرباء إلى المنازل يجب أن تكون أولوية عاجلة، لكنها لا تكفي وحدها لإغلاق الملف.
المطلوب هو تحقيق فوري ومستقل وشفاف يحدد بدقة أسباب الحرائق، ويفحص المعدات والكابلات والتجهيزات وطرق اقتنائها وتركيبها وصيانتها، ويراجع مسار الصفقات ذات الصلة، ويحدد ما إذا كانت هناك أخطاء فنية أو إدارية أو تقصير أو مخالفة للقوانين والإجراءات.
وإذا أثبت التحقيق وجود مسؤوليات، سواء نتيجة إهمال أو تقصير أو مخالفة أو غش في المعدات، فيجب أن تتم محاسبة المسؤولين عنها طبقاً للقانون، أياً كانت مواقعهم أو صفاتهم.
فالأمر لا يتعلق هذه المرة بعطل محدود في شبكة كهربائية، وإنما بأزمة أثرت في قطاعات متعددة، وألحقت أضراراً بعدد كبير من المواطنين وأصحاب المؤسسات والمحلات والأعمال.
ومن يعوّض المواطن؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يعوّض المواطن عن أضراره؟
من يعوّض الأسرة التي تلفت موادها الغذائية بسبب انقطاع التبريد؟ ومن يتحمل خسائر صاحب الحانوت الذي فسدت بضاعته؟ ومن يعوض صاحب العمل الذي توقف نشاطه بسبب غياب الكهرباء والإنترنت؟ ومن يتحمل الأضرار التي لحقت بأجهزة المواطنين نتيجة الانقطاعات أو اضطراب التيار؟
وماذا عن المواطن الذي تعطل عمله، أو تعطلت مصالحه، أو اضطر إلى إنفاق أموال إضافية للحصول على المياه أو الحفاظ على احتياجاته الأساسية خلال فترة الانقطاع؟
قد لا يكون من السهل قانونياً تحديد آليات التعويض في مثل هذه الحالات، لكن حجم الأضرار يستحق فتح نقاش جدي حول مسؤولية الجهة المشغلة، ومدى وجود آليات قانونية للتعويض عن الأضرار التي يثبت ارتباطها مباشرة بالتقصير أو الإهمال.
فالمواطن ليس مجرد مستهلك يدفع فاتورة الكهرباء، بل هو الطرف الذي يتحمل في النهاية تبعات أي خلل جسيم في منظومة يفترض أن تضمن له خدمة أساسية ومستقرة.
لقد كان تدخل فرق فنية من موريتانيا والمغرب والسنغال ضرورياً لتجاوز الأزمة وإعادة الخدمة، وهو جهد يستحق التقدير. لكن معالجة آثار الأزمة لا ينبغي أن تطغى على البحث في أسبابها.
إعادة الكهرباء تنهي الانقطاع، أما كشف الحقيقة فينهي الأسئلة.
والمطلوب اليوم ليس فقط أن تضيء نواكشوط من جديد، وإنما أن يعرف المواطن لماذا انطفأت، وكيف حدث ذلك، ومن يتحمل المسؤولية عن الخلل والأضرار التي ترتبت عليه، وأن يرى محاسبة واضحة وفق القانون إذا أثبت التحقيق وجود مسؤوليات.
فحماية المال العام، وسلامة المنشآت، وجودة الخدمات الأساسية، ومحاسبة المقصرين، ليست مطالب استثنائية؛ بل هي من صميم دولة القانون، وحق أصيل للمواطن.
والسؤال الذي ينبغي ألا يختفي بعد عودة الكهرباء هو: من يعوّض المواطن عن الأضرار التي تحملها؟.