لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الجمهورية مجرد نشاط عابر مرّ بكبواته التنظيمية، بل كان تجسيداً جلياً لأزمة هيكلية مزمنة تعاني منها منظومة الاتصال في الرئاسة منذ سنوات.
أزمةٌ لا تقف عند حدود سوء إدارة القاعة وتوزيع الأدوار، بل تمتد لتكشف عن وجود "جدار عازل" حقيقي يُضرب حول القصر الرئاسي من داخله، ليحجب رؤية الشارع ونبض الصحافة المستقلة عن عين صانع القرار.
لقد وضع زميلنا الصحفي ومدير موقع "الإعلامي"، إلياس ولد محمد، أصبعه على الداء في تظلمه الموجه إلى رئيس الجمهورية؛ حيث تطرق لما يتعرض له الصحفيون من تكميم وإقصاء ومحن وتهميش وظروف قاسية في سبيل إيصال الكلمة الحرة، وكان من بينهم كاتب هذه السطور الذي يعاني من تلك المحن كصحفي كفيف تعرض لكفّ البصر أثناء ممارسة عمله الإعلامي.
وتعقيبا على ذلك، فإن الموقف يتطلب منا أن نُفكك طبيعة الخلية التي تدب في الرئاسة وتتولى إدارة ملف وسائل الاتصال وتحكم في مفاصله، ممتدةً أذرعُها من هناك ليس فقط لتوزيع الأدوار وتفريخ الحسابات الوهمية وإدارة الخطاب بعيداً عن المهنية الرصينة، بل أيضاً بإهمال الصحفيين وإقصائهم.
إن ما يشهده القصر اليوم ليس سوى اختزال لعمل مؤسسي استراتيجي في مجرد "رصد سطحي لشبكات التواصل الاجتماعي"؛ حيث تُدار المشهدية بمنطق الملاحقة اليومية للتحديثات، وتوجيه الخطاب عبر تلك الحسابات بدلاً من المهنية الرصينة، لتكرس في النهاية نهج إعلام البلاط الذي لا يمثل الجسم الصحفي بقدر ما يخدم مصالحه الضيقة. وتُصاغ العلاقة وفق الولاءات والمزاج الشخصي بدلاً من الكفاءة والمؤسسية. لقد تحول الاتصال الرئاسي إلى ذراع حجب وتعتيم، يغرس الزبونية ويُبعد المؤسسات الجادة والأقلام الوطنية الحرة عن أداء دورها، مستبدلاً إياها بأسئلة المجاملة والحضور الشكلي.
ولا تتوقف خطورة هذا الجدار العازل عند حدود تنظيم المؤتمرات الرئاسية، بل تتجاوز ذلك لتلقي بظلالها على الهيئات التنظيمية والضابطة للمشهد -وفي مقدمتها السلطة العليا للصحافة- من خلال تزويدها ببيانات وقراءات قاصرة تُكرس الفشل والارتباك نفسه، وتمنع أي محاولة جادة لإصلاح القطاع وتطويره.
إن الصحافة المستقلة ليست ديكوراً يُستدعى لتكملة المشهد، ولا أداة توظف لحجب الحقيقة عن الرئيس. وإن كسر هذا الطوق المضروب حول القصر يتطلب اليوم خطوات شجاعة، تبدأ بإعادة هيكلة إدارة الاتصال الحكومي على أسس مهنية ومعايير شفافة معلنة، وتنتهي بتحرير الهيئات الضابطة لضمان حق الوصول للمعلومة وترسيخ التعددية الحقيقية، بعيداً عن تلك الخلية التي تحولت إلى جيش يقصي الصحافة الاستقصائية ويخذل الزملاء المرضى.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
