رصاصة الرحمة على جسد الصحافة:تجفيف المنابع وخنق الحريات

سبت, 25/07/2026 - 13:53

لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد لقاء بروتوكولي عابر مع النخبة الإعلامية، ​بل جاء ليعكس مأزقاً بنيوياً عميقاً يعيشه الحقل الإعلامي في موريتانيا.
​فبينما انشغل الخطاب الرسمي بتقديم وعود مرنة حول مراجعة قانون الرموز وتغيير تسميته الحالية.
​جاءت القرارات الميدانية والتشريعية المتزامنة لتكشف عن توجه مغاير تماماً يضيق الخناق على المنصات المستقلة.
​وهذا لعمري ما أرادته الديكتاتورية فأخطأته.
​حيث يتحول هذا اللقاء في نظر مراقبين إلى خطوة رمزية تسبق إطلاق رصاصة الرحمة على جسد السلطة الرابعة. ​وذلك بعد تجفيف منابعها الاقتصادية الشحيحة التي تقتات عليها الصحافة الحرة.
​مما يحول وعود الإصلاح في عمقها إلى آلية خانقة للمقاولات الإعلامية الوطنية.
​وهل يعني حديث الرئيس واعترافه الضمني بالعجز عن مجابهة الفساد لوحده، أن الغول قد تغلغل في هرم السلطة ومفاصل الرئاسة؟
​وهل يمكن القول إن المفسدين أنفسهم هم من صاغوا هذه الوثائق القانونية والجبائية بدقة، بهدف تجفيف منابع الصحافة الحرة، وإسكات الأصوات الاستقصائية التي تكشف عورات فسادهم؟
​المقاربة القانونية: مناورة الرموز وتكريس الرقابة الذاتية
​رغم محاولة السلطة طمأنة الفاعلين عبر إبداء المرونة في تغيير اسم قانون حماية الرموز الوطنية أو حتى إلغائه إن اقتضت المصلحة العامة ذلك.
​إلا أن الجوهر القانوني والتشريعي يظل محل توجس كبير في الأوساط الصحفية والحقوقية.
​إن المعضلة الأساسية لا تكمن في المسميات والعناوين البراقة، ​بل تكمن في النصوص الفضفاضة والممارسات الميدانية التي تخلط بشكل واضح بين النقد السياسي المباح والمشروع للسياسات العمومية، وبين جرائم الحق العام والتشهير.
​هذا الوضع الضبابي يدفع الصحفي الاستقصائي وكاتب الرأي بطبيعة الحال إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة على قلمه خوفاً من التأويلات القانونية والملاحقات القضائية، ​مما يفرغ الحريات الصحفية من مضمونها الدستوري الفعلي.
​ويحد من جرأة التحقيقات التي تشخص الاختلالات البنيوية في الإدارة ومؤسسات الدولة.
​التجفيف الاقتصادي: ضريبة القيمة المضافة الرقمية كأداة خنق مالي
​بالتوازي مع التضييق القانوني، جاء مشروع قانون المالية المعدل ليوجه ضربة قاضية للبنية المالية الهشة أصلاً للمقاولات الصحفية، الورقية والإلكترونية.
​حيث أقر التعديل الجوهري فرض ضريبة القيمة المضافة على الخدمات والإعلانات الرقمية المستهلكة محلياً عبر المنصات العالمية مثل ميتا، فيسبوك، وغوغل، وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.
​وفي ظل غياب سوق إشهار وطني منظم ومؤطر قانونياً، وتدني الدعم العمومي الموجه للصحافة، ​كانت هذه المنصات الرقمية تشكل المتنفس الاقتصادي الصغير والوحيد للمؤسسات الإعلامية لترويج محتواها وجلب معلنين محليين بأسعار تنافسية.
​إن فرض هذه الضريبة سيرفع كلفة الإعلانات بشكل حاد وبتأثير ارتدادي عكسي.
​ولن يدفع عمالقة التكنولوجيا عابري القارات ثمن هذه الجباية ​بل سيتحملها بالكامل الناشر المحلي والمستهلك الموريتاني ​مما يهدد بتجفيف ما تبقى من منابع تمويل شحيحة.
​ويدفع بالعديد من المنصات الإخبارية الجادة نحو الإغلاق القسري، ​تاركاً الساحة الإعلامية لقمة سائغة لصنّاع المحتوى الهابط والمؤثرين الرقميين.
​مأسسة الإشهار: تنظيم مهني أم احتكار موجه؟
​في سياق متصل، يأتي انطلاق أعمال الجمعية العامة الأولى لاتحاد مؤسسات الإشهار بنواكشوط، تحت رعاية سلطة تنظيم الإشهار.
​وهي خطوة تنظيمية تهدف في ظاهرها إلى إنهاء الفوضى العشوائية في قطاع الدعاية والإشهار وحماية قيم المجتمع.
​إلا أن هذا الإجراء، رغم ضرورته التنظيمية المبدئية، يثير مخاوف جوهرية داخل الحقل الإعلامي الحر.
​وتتمثل المخاوف في تحول هذه الأطر التنظيمية إلى أدوات لتوجيه أموال الدعاية الحكومية وإعلانات شركات الاتصال الكبرى بشكل انتقائي وموجه نحو جهات معينة تتماشى مع مراكز النفوذ.
​وكذلك استخدام الحصص الإعلانية كأداة معاقبة اقتصادية غير مباشرة ضد المنصات والصحف المستقلة التي تتبنى خطاً تحريرياً مشاكساً ومستقلاً.
​مما يقوض مبدأ تكافؤ الفرص والتنافسية الشريفة.
​خلاصة واستشراف: تشريح واقع أم حكم بالإعدام؟
​عند قراءة هذه المستجدات كحزمة تشريعية وإجرائية متكاملة، يتضح أن الصحافة الموريتانية باتت محاصرة بين فكي كماشة.
​تضييق قانوني يكرس الخوف والرقابة الذاتية، وخنق اقتصادي يجفف موارد البقاء.
​وبناءً على ذلك، فإن هذه المنظومة الجديدة تعد مجحفة وقاسية في سياقها الحالي، ​لأنها تسقط معايير تنظيمية وجبائية صارمة على بيئة إعلامية محلية تعاني من الهشاشة والفقر الهيكلي، ​دون تقديم أي بدائل تنموية أو صناديق دعم حقيقية تضمن استمرارية الإعلام المستقل كسلطة رابعة شريكة في البناء الديمقراطي.
​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
​كاتب وإعلامي موريتاني