ردا على مقال:ماذا سيكون حال فلسطين لولا ايران؟/محمد الأمين لحبيب

خميس, 11/06/2026 - 22:32

إيران والقضية الفلسطينية: بين الخطاب السياسي وحقائق الواقع
كثيراً ما تُكتب المقالات السياسية بلغة عاطفية تجعل القارئ يظن أن الحقيقة لا تحتمل سوى وجه واحد، وأن التاريخ لا يروي إلا رواية واحدة. ومن هذا المنطلق جاء مقال الأستاذ التراد ولد سيدى،الذي يصور إيران باعتبارها المنقذ الوحيد للقضية الفلسطينية، ويجعل منها صاحبة الفضل الأوحد في استمرار المقاومة، بينما يلقي بكل أوزار التراجع العربي والإسلامي على الآخرين،وينسى اويظن الناس تناست كل الجراح الغائرة التى فتحت ايران فى جسد الامة العربية.
غير أن الإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كاملة لا إلى جزء منها فقط.
لا شك أن إيران تبنت منذ قيام" ثورتها خطاباً داعماً للقضية الفلسطينية" ولو باللسان والابواق وليس بالفعل الملموس، وقدمت أشكالاً مختلفة من الدعم لفصائل المقاومة من اجل جرها الى صفها كما وقع فى لبنان واليمن والعراق، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن تحويل هذا الدعم الصورى إلى سبب وحيد لصمود القضية الفلسطينية هو تجاهل لتضحيات الشعب الفلسطيني نفسه، الذي قدم مئات الآلاف من الشهداء والأسرى قبل مايسمى ب"الثورة الإيرانية " او ثورة الملالى وبعدها، وظل يقاوم الاحتلال بإرادته الوطنية قبل أن تظهر أي أدوار إقليمية داعمة،ثم ان ايران الملالى لم تقدم يوما بندقيةاو كسرة خبز للشعب الفلسطينى ،حتى وهو فى حرب غزة التى كانت هى السبب فيها.
كما أن كاتب المقال يتعامل مع إيران وكأنها دولة لا تحركها سوى المبادئ، بينما السياسة الدولية لا تعرف البراءة المطلقة. فإيران، مثل غيرها من الدول، تتحرك وفق مصالحها القومية واستراتيجياتها الإقليمية، وتستخدم أوراق النفوذ والتحالفات لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية. ولذلك فإن دعمها لبعض حركات المقاومة لا يعني بالضرورة أنها تتحرك خارج حسابات المصلحة الوطنية الإيرانية،وليس مصلحة المدعوم،ووصلت الى حد قراءة المقال لايساورنى شك فى ان الكاتب ادرى من الكثيرين بذلك ،لأن الزمن كان قد مكنه من معرفة ايران الملالى جيدا،
ويتجاهل الكاتب كذلك أن سياسات إيران في عدد من الدول العربية كانت سبباً في أزمات وانقسامات وحروب أضعفت المجتمعات العربية واستنزفت مواردها البشرية والاقتصادية. فكيف يمكن الحديث عن الدفاع عن الأمة الإسلامية في الوقت الذي تعيش فيه دول عربية عديدة صراعات معقدة كانت لإيران فيها أدوار مثيرة للجدل،وهى التى اوقدت الحريق وعلى سبيل المثال لا الحصر،العراق واليمن واليمن ولبنان وسوريا والبحرين ووو.
ومن أوجه الخلل في المقال أنه يقسم العالم إلى معسكرين فقط: معسكر خير تمثله إيران، ومعسكر شر يمثله الجميع.
وهذه النظرة التبسيطية لا تنسجم مع تعقيدات الواقع السياسي،فهناك دول عربية قدمت دعماً سياسياً ومالياً وإنسانياً للفلسطينيين عبر عقود طويلة، الشيئ الذى لم تقدمه ايران يوما واحدا،كما أن القضية الفلسطينية بقيت حية في وجدان الشعوب العربية والإسلامية رغم اختلاف مواقف الحكومات وسياساتها.
واذا افترضنا او سلمنا بما حكى الكاتب عن البطولات الايرانية فى فلسطين وفى المسرح الدولى ،فإن الدفاع عن فلسطين لا يمنح أي دولة صكاً بالبراءة من النقد، كما أن الاختلاف مع سياسات إيران لا يعني الوقوف ضد الشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في دولة واحدة أو محور واحد، وأوسع من أن تتحول إلى أداة للمزايدات السياسية،والجعل من ايران كل شيئ والاخرين لاشيئ.
لقد كانت فلسطين قضية شعب يناضل من أجل حريته وكرامته قبل الثورة الإيرانية، وستظل قضية حق وعدالة بعد كل التحولات الإقليمية والدولية. أما الدول والأنظمة والتحالفات فتبقى أدوارها متغيرة بتغير المصالح والظروف،ومنها ايران التى تحلم بتبعية الارض العربية كلها لبنان مرشدها.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس يا استاذ التراد: ماذا سيكون حال فلسطين لولا إيران؟ بل ماذا سيكون حال فلسطين لو توحدت جهود جميع العرب والمسلمين وأحرار العالم بعيداً عن الحسابات الضيقة والاستقطابات الإقليمية والانتقام التاريخى؟
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى احتكار أحد لتمثيلها، بل تحتاج إلى كل يد صادقة تدعم حق شعبها في الحرية والاستقلال، دون ادعاء البطولة المطلقة أو امتلاك الحقيقة الكاملة،وايران الملالى لم تكن يوما الا عبئا على القضية الفلسطينية،وهى التى جرت جماعة حماس الى الخراب الذى وقع فى غزة وتراجعت ايران كأنها ليست هى من تعهدت بالدعم العسكرى.
وايرانى هى التى مزقت اليمن ولبنان والعراق ،وسوريا وتطمح لتمزيق الممزق تحت عنوان "تصدير الثورة الاسلامية".
متى كان الاسلام يعنى ايران الملالى سوى كغطاء زائف،من اجل التوسع والسيطرة على عواطف الناس.
محمدالأمين لحبيب