بين الحقوق المشروعة وخطاب التدويل والمتاجرة السامورية: قراءة نقدية في تصريحات الساموري ولد بي/بقلم: محمدالامين لحبيب

خميس, 14/05/2026 - 15:11

أثارت التصريحات الأخيرة  للسياسي والنقابي الساموري ولد بي جدلا واسعا، وتخوفا حقيقيا في الساحة الوطنية، خاصة بعدما تحدث السياسى ولد بي عن "استهداف" شريحة “ من أسماهم "الحراطين”، رافعا شعار التهديد بالبحث عن ما أسماه الرجل “حماية دولية” لهم، بل وذهب أبعد من ذلك حين استحضر سيناريو “رواندا”، في توصيف بالغ الخطورة، ومشحون بالمغالطة لحالة البلد ومستقبله.
ودون شك فإن أي حديث عن الظلم أو التهميش أو اختلال التوازن الاجتماعي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، لأن بناء الدول لا يتم إلا على أساس العدالة والمواطنة المتساوية،خاصة بين فئات العرق الواحد.
غير أن تحويل السامورى للنقاش الوطني إلى خطاب تخويف جماعي، واستدعاء نماذج الإبادة والانقسام الأهلي، لا يخدمه بنفسه ولا يخدم لقمة عيشه التى كان هذا مصدرها، ولا يخدم القضية الحقوقية بقدر ما يفتح الباب أمام الاحتقان والتشكيك في الدولة والمجتمع معا.
إن أخطر ما في خطاب الساموري ولد بي، المعروف باجنداته الخارجية والدلخلية، ليس حديثا عن الحقوق، وإنما هو حديث عن طبخة منذ عشرات السنين وهى تعد، فالحقوق مطلب مشروع لكل الموريتانيين، وإنما في تصوير البلد وكأنه على حافة حرب أهلية أو مشروع تصفية "شرائحية" ممنهجة ضد مكون بعينه. فهذا النوع من الخطابات، مهما كانت النوايا، يخلق حالة من الرعب النفسي، ويؤسس لوعي قائم على الخوف والاصطفاف الشرائحي والفئوى بدل المواطنة الجامعة.
الجميع يدرك ان موريتانيا ليست دولة مثالية، وتعاني بالفعل من تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، نتيحة سياسات همجية شاركت فيها الانظمة وأمثال السامورى وحركته الفكرية، ولكن معالجتها لا تكون عبر تدويل الملف الوطني أو استدعاء “الحماية الأجنبية”، لأن التجارب أثبتت أن التدخلات الخارجية لا تبني أوطانا، ولا تسمن ولا تغنى من جوع وأن أول ضحاياها المستدعى نفسه، لأنها غالبا ما تعمق الانقسامات وتحول الأزمات الداخلية إلى أوراق ضغط دولية، وتحارة ربحية للمتدخلين أنفسهم لا للمتدخل من أجلهم.
ثم إن الحديث عن ما أسماه “مشروعا للقضاء على الحراطين” يحتاج إلى أدلة ومعطيات موثقة ودقيقة لا إلى استنتاجات سياسية أو انطباعات شخصية،جلس الساموري فى بيته أو بيت آخر وطرحها على أن تكون وسيلة لما هو أدرى به من غيره. فالتعميم في القضايا الحساسة قد يظلم مجتمعا كاملًا، ويزرع الشك بين مكونات عاشت قرونا من التداخل والتعايش رغم كل الإشكالات القائمة، وخاصةالمجتمع الواحد، الذى لا يستطيع السامورى الإتيان بما يثبت كونه ليس مجتمعا واحدا من ذكر وأنثى.
ومن الغريب أيضا أن خطاب الرجل بدا وكأنه يحمل الدولة والمجتمع، بكل مكوناتهما، مسؤولية جماعية عن واقع معقد تشكل عبر عقود طويلة، في حين أن الإنصاف يقتضي الاعترافا بأن البلد عرف خلال السنوات الماضية انفتاحا نسبيا في ملفات الحقوق والحريات، كما شهد صعود شخصيات من مختلف الفئات و المكونات إلى مواقع القرار والإدارة والتمثيل السياسي.
ولذا فإن المطالبة بالحوار الوطني فكرة إيجابية ومطلوبة، لكن الحوار لا ينجح تحت سقف التخوين أو التخويف أو استدعاء المقارنات الدموية، وتفتيت المجتمع الواحد. فحين يصبح كل خلاف سياسي مقدمة لـ”رواندا جديدة”، فإن لغة العقل تتراجع لصالح خطاب التعبئة العاطفية، وإثارة الفتنة والمتاجرة بالدولة والمجتمع على حد سواء.
لقد كان الأجدر بالرجل، باعتباره نقابيا وفاعلا سياسيا، أن يدفع نحو مشروع وطني جامع يعالج الاختلالات الاجتماعية ضمن إطار الدولة والقانون، لا أن يبعث رسائل توحي بأن الحل يوجد خارج الحدود أو تحت مظلة “الحماية الدولية”، أو التهديد بالحرب الأهلية، لأن ذلك ينقص لقمة عيش الرجل أو يسرجه بما هو أدهى وأمر.
فموريتانيا اليوم، لاتحتاج الى خطابات هكذا نوعها وبلهجة تحكي دوافعا بدلا من أن تبحث عن حلول ناجعة ومنصفة.
وما تحتاجه موريتانيا الآن هم رجال من صنف مسعود وبيجل لا الساموري، ومن هم على شاكلته، و إلى خطاب تهدئة وإلى مشروع عدالة ومواطنة يشارك فيه الجميع دون استثناء، بعيدا عن المبالغات التي قد تفقد القضايا العادلة مصداقيتها، وتحول المطالب الحقوقية من وسيلة للإصلاح إلى وقود للاستقطاب والانقسام.
وفي محصلة القول، تبقى وحدة المجتمع الموريتاني مسؤولية جماعية، لا يجوز العبث بها تحت أي عنوان، ولا متاجرة بها، أو محاولة إطالة العمر السياسي في ظل شعب ينهض وأصبح على قدر من الوعي، ولم يعد يساق كالقطيع من أجل تعمير أسرة فلان أو علان، لأن الأوطان تُبنى بالحكمة والحوار، لا بإشعال المخاوف واستدعاء الأشباح التاريخية.