كوركل بعد زيارة الرئيس: بين دفع التنمية ومساءلة التقاعس الإداري

ثلاثاء, 17/02/2026 - 21:10

شكّلت الزيارة الأخيرة التي أداها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية كوركل محطةً سياسيةً وتنمويةً لافتة، ليس فقط من حيث ما حملته من إطلاق مشاريع وتعهدات، بل أيضاً لما أثارته من نقاش حول مستوى تنفيذ السياسات الحكومية على الأرض في موريتانيا.
فقد جاءت الزيارة في سياق تركيز السلطة التنفيذية خلال السنوات الأخيرة على تقريب الخدمات من المواطنين، وتحويل البرامج الاجتماعية والتنموية إلى نتائج ملموسة في الداخل، خصوصاً في الولايات الزراعية ذات الكثافة السكانية المرتفعة. غير أن الرسائل التي حملتها الزيارة لم تكن احتفالية فقط، بل تضمنت – بشكل مباشر وغير مباشر – إشارات واضحة إلى وجود فجوة بين التوجيهات العليا ومستوى الأداء الإداري لبعض المسؤولين في قطاعات خدمية مهمة.
دفع سياسي جديد للتنمية المحلية
من الناحية التنموية، أبرزت الزيارة حرص الرئاسة على تسريع تنفيذ المشاريع المرتبطة بالماء والكهرباء والتعليم والصحة، إضافة إلى دعم الزراعة والتنمية الحيوانية، وهي ركائز الاقتصاد المحلي في كوركل. كما عكست اللقاءات المباشرة مع المواطنين توجهاً واضحاً نحو اعتماد التشخيص الميداني بدل التقارير المكتبية.
هذا التوجه يمنح دفعة سياسية قوية للإدارة المحلية، لأنه يحوّل البرامج الحكومية من مجرد خطط مركزية إلى التزامات مراقَبة ميدانياً، ويضع المسؤولين التنفيذيين أمام اختبار الإنجاز الفعلي لا الاكتفاء بالوعود.
التقاعس الإداري: المشكلة التي لم تُخفها الزيارة
غير أن ما برز في خلفية الزيارة هو تزايد الحديث عن بطء تنفيذ بعض المشاريع، وتعثر خدمات أساسية رغم توفر التمويل والبرامج الوطنية. ويعود ذلك – بحسب متابعين – إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
1. ضعف المتابعة الإدارية لبعض المشاريع بعد إطلاقها
2. محدودية المبادرة لدى بعض المسؤولين المحليين
3. غياب الصرامة في تقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة
وقد بدا واضحاً أن الرئيس حاول، عبر خطاباته وتصريحاته خلال الزيارة، توجيه رسالة مفادها أن الإرادة السياسية للتنمية موجودة في أعلى هرم الدولة، لكن نجاحها مرهون بفعالية الحلقة التنفيذية في الداخل.
مسؤولية تنفيذ التوجهات الرئاسية
إن التحدي الحقيقي بعد هذه الزيارة لا يكمن في إعلان المشاريع، بل في ضمان تنفيذها ضمن آجال معقولة وبجودة ملموسة. وهنا تبرز مسؤولية الولاة والمنتخبين والمديرين الجهويين، الذين يشكلون حلقة الوصل بين القرار المركزي وحاجات السكان.
فالتجربة التنموية في البلاد أظهرت أن أكبر عائق أمام السياسات العمومية ليس دائماً نقص الموارد، بل أحياناً ضعف الحوكمة المحلية، وتباطؤ الإدارة، وغياب روح المبادرة لدى بعض المسؤولين الذين يتعاملون مع التوجيهات الوطنية بروتينية أكثر منها التزاماً عملياً.
الخاتمة
أكدت زيارة الرئيس أن التوجه نحو تنمية الداخل خيار استراتيجي للدولة، لكنها في الوقت ذاته أعادت التذكير بحقيقة أساسية مفادها أن نجاح السياسات لا يُقاس بحجم الإعلان عنها، بل بمدى تنفيذها على الأرض.
فإن كانت الإرادة السياسية قد وُضعت في أعلى السلم، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ عند مستويات التنفيذ. وبين وضوح التوجيهات الرئاسية وتفاوت الأداء الإداري، تبقى كوركل اليوم أمام فرصة لتكون نموذجاً في تحويل الزيارات الرسمية إلى نتائج ملموسة، لا مجرد محطات عابرة في أجندة العمل الحكومي.
كما أن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الرسائل التي حملتها الزيارة ستُترجم إلى ديناميكية إدارية جديدة تُنهي البطء وتُعزز ثقافة الإنجاز، أم أن الاختلالات نفسها ستستمر في إبطاء المشاريع وتقليص أثرها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي ظل تطلّع المواطنين إلى تحسن فعلي في الخدمات، تبدو المسؤولية اليوم مضاعفة على الإدارة المحلية والقطاعات الخدمية، ليس فقط لتنفيذ البرامج، بل لإثبات أن الدولة حين تضع التنمية أولوية، فإن أدواتها التنفيذية قادرة على مواكبة هذا الخيار.
وعند هذه النقطة تحديداً، لن يكون الحكم على الزيارة بما قيل خلالها، بل بما سيتحقق بعدها؛ فإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمسار تنموي أكثر فاعلية، أو تبقى مجرد محطة سياسية تحمل وعوداً أكثر مما تحمل نتائج.
بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العامغ